الشوكاني

166

فتح القدير

وقال قوم ممن انتصر لهذه القراءة : إنها إذا ثبتت بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهي فصيحة لا قبيحة . قالوا : وقد ورد ذلك في كلام العرب وفي مصحف عثمان رضي الله عنه " شركائهم " بالياء . وأقول : دعوى التواتر باطلة بإجماع القراء المعتبرين كما بينا ذلك في رسالة مستقلة ، فمن قرأ بما يخالف الوجه النحوي فقراءته رد عليه . ولا يصح الاستدلال لصحة هذه القراءة بما ورد من الفصل في النظم كما قدمنا ، وكقول الشاعر : فزججتها بمزجة * زج القلوص أبي مزاده فإن ضرورة الشعر لا يقاس عليها ، وفي الآية قراءة رابعة وهي جد الأولاد والشركاء ، ووجه ذلك أن الشركاء بدل من الأولاد لكونهم شركاءهم في النسب والميراث . قوله ( ليردوهم ) اللام لام كي : أي لكي يردوهم ، من الإرداء وهو الإهلاك ( وليلبسوا عليهم دينهم ) معطوف على ما قبله : أي فعلوا ذلك التزيين لإهلاكهم ولخلط دينهم عليهم ( ولو شاء الله ما فعلوه ) أي لو شاء الله عدم فعلهم ما فعلوه ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وإذا كان ذلك بمشيئة الله ( فذرهم وما يفترون ) فدعهم وافتراءهم فذلك لا يضرك . وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبان بن عثمان قال : الذرية الأصل ، والذرية النسل . وأخرجا أيضا عن ابن عباس ( وما أنتم بمعجزين ) قال : بسابقين . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله ( على مكانتكم ) قال : على ناحيتكم . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عنه أيضا في قوله ( وجعلوا لله ) الآية قال : جعلوا لله من ثمارهم ومائهم نصيبا وللشيطان والأوثان نصيبا ، فإن سقط من ثمره ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه ، وإن سقط مما جعلوه للشياطين في نصيب الله ردوه إلى نصيب الشيطان ، وإن انفجر من سقى ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه ، وإن انفجر من سقى ما جعلوه للشيطان في نصيب الله نزحوه ، فهذا ما جعلوا لله من الحرث وسقى الماء . وأما ما جعلوه للشيطان من الأنعام فهو قول الله - ما جعل الله من بحيرة الآية . وأخرج ابن أبي حاتم عنه نحوه من طريق أخرى . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال : جعلوا لله مما ذرأ من الحرث جزءا ولشركائهم جزءا ، فما ذهب به الريح مما سموا لله إلى جزء أوثانهم تركوه وقالوا الله عن هذا غني ، وما ذهب به الريح من جزء أوثانهم إلى جزء الله أخذوه . والأنعام التي سموا لله : البحيرة والسائبة وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ) قال : شياطينهم يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خوف العيلة . سورة الأنعام الآية ( 138 - 139 )